أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
431
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1665 - ألا هل أتاها والحوادث جمّة * بأنّ امرأ القيس بن تملك يبقرا « 1 » ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرا دلّ عليه السياق أي : هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس ، فيكون اعتراضا بين الفعل ومعموله . والخليل : مشتق من الخلّة بالفتح وهي الحاجة ، أو من الخلّة بالضم ، وهي المودة الخالصة ، أو من الخلل . قال ثعلب : « سمّي خليلا لأن مودته تتخلّل القلب » وأنشد : 1666 - قد تخلّلت مسلك الروح مني * وبه سمّي الخليل خليلا « 2 » وقال الراغب : « الخلّة - أي بالفتح - الاختلال العارض للنفس : إمّا لشهوتها لشيء أو لحاجتها إليه ، ولهذا فسّر الخلّة بالحاجة ، والخلّة - أي بالضم - المودة : إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها ، وإما لأنها تخلّ النفس فتؤثّر فيها تأثير السهم في الرميّة ، وإمّا لفرط الحاجة إليها » . قوله تعالى : وَما يُتْلى : فيه سبعة أوجه : وذلك أن موضع « ما » يحتمل أن يكون رفعا أو نصبا أو جرا . فالرفع من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مرفوعا عطفا على الضمير المستكنّ في « يُفْتِيكُمْ » العائد على اللّه تعالى ، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصل بأحدهما كاف . والثاني : أنه معطوف على لفظ الجلالة فقطف ، كذا ذكره أبو البقاء وغيره ، وفيه نظر ، لأنه : إمّا أن يجعل من عطف مفرد على مفرد فكان يجب أن يثنّى الخبر وإن توسط بين المتعاطفين فيقال : « يفتيانكم » ، إلّا أنّ ذلك لا يجوز ، ومن ادّعى جوازه يحتاج إلى سماع من العرب فيقال : « زيد قائمان وعمرو » ، ومثل هذا لا يجوز ، وإمّا أن يجعل من عطف الجمل بمعنى أنّ خبر الثاني محذوف أي : وما يتلى عليكم يفتيكم ، فيكون هذا هو الوجه الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار . والثالث من أوجه الرفع : أنه رفع بالابتداء ، وفي الخبر احتمالان : أحدهما : أنه الجار بعده وهو « فِي الْكِتابِ » والمراد بما يتلى القرآن ، وبالكتاب اللوح المحفوظ ، وتكون هذه الجملة معترضة بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانه . وفائدة الأخبار بذلك تعظيم المتلوّ ورفع شأنه ، ونحوه : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 3 » . والاحتمال الثاني : أن الخبر محذوف أي : والمتلوّ عليكم في الكتاب يفتيكم أو يبيّن لكم أحكامهن ، فهذه أربعة أوجه . وكلام الزمخشري يحتمل جميع الأوجه ، فإنه قال : « ما يُتْلى » في محل الرفع أي : اللّه يفتيكم والمتلوّ في الكتاب في معنى اليتامى ، يعنء قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى « 4 » وهو من قولك : « أعجبني زيد وكرمه » انتهى . يعني أنه من باب التجريد ، إذ المقصود الإخبار بإعجاب كرم زيد ، وإنما ذكر زيد ليفيد هذا المعنى
--> ( 1 ) البيت لأمرىء القيس انظر ديوانه ( 62 ) ، الخصائص ( 1 / 335 ) ، ابن يعيش ( 8 / 23 ) ، الإنصاف ( 171 ) ، اللسان ( بقر ) . ( 2 ) البيت لبشار انظر تفسير القرطبي ( 5 / 256 ) . ( 3 ) سورة الزخرف ، الآية ( 4 ) . ( 4 ) سورة النساء ، الآية ( 3 ) .